آخر تحديث :الأحد-07 يونيو 2026-07:51م
جامعة عدن

ارشيف الاخبار

موســوعيّـة ابن خلدون

2011-07-01



كتبالدكتور/ابوبكر محسن الحامد *

يتبـوأالمـفكر العربي الاسلامي العالمي عبد الرحمن ابن خلدون1 مكانة فكريةمتميزة في تاريخ الفكرالبشـري، وهذه الدراسة تبين موسوعية ابن خلدون، كمـاتوضح  قدرة ابن خلدون على الربط بين مجالاتالمعرفة والعلوم. والمقصود بالموسوعية في هذا البحث الاحاطة بأشياء مختلفة والقدرةعلى الربط بينهـا. ولانـجد كلمة "موسوعية" عادة في القواميس او المعاجمالعربية، واذا وجدت فانها توجد بمعنى موسوعة.  يشير مجديوهبة وكامل المهندس في معجم المصطلحات العربية في اللغة و الادب الى كلمةموسوعة، اودائرة المعارف، اوالمعلمة، وانها تعني انـسيكلوبيديا  encyclopedia  اي: "مؤلف يتضمنبيانا عن كل فروع المعرفة، . . . "، وانها تعني ايضا: "مؤلف يتضمن كلماوصلت اليه المعرفة عند نشره في فن او علم معين، وترتب مواده عادة ترتيبا هجائيااو غير ذلك."

           حين يكتب معاصر ابن خلدون الوزيرالطبيب لسان الدين ابن الخطيب2 في كتابه الاحاطة في اخبار غرناطة عن ابن خلدون يشير الى ابرز صفاتابن خلدون وهي الموسوعية فهو يرى ان ابن خلدون عالم" جم الفضائل، باهر الخصل،. . . متقدم في عدة فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا . . .   ." (عنان، 46). وفي العصر الحديث  تشارك لسان الدين الخطيبمجموعة متميزة من المفكرين رايه في موسوعية ابن خلدون و"تعدد مزاياه".وفي عصرنا الراهن كتب علي عبد الواحد وافي في كتابه  عبقريات ابن خلدون : ". . .  كان متمكنا من بحوث المنطق الصوري، ومنطقالمادة, وكان واسع الاطلاع في بحوث الفلسفة او الميتافيزيقا وان لم يكن متمكنامنها كل التمكن، وذلك انه كان  يرىمخالفتهما للشريعة الاسلامية وضررها على العقــــــــيدة" (183). 7ويشيرادوارد سعيد الى اعتماد كوسيين دي برسيفال (Caussin de Perceval )  في كتابه  مقالات في تاريخ العرب (بأجزائه الثلاثه1847-1848)  على اعمال ابن خلدون8  وقد وصف عدد من المفكرين  الغربيين9 اتساع فكر ابن خلدون.

والامثلةعلى  موسوعية ابن خلدون كثيرة, فكتابه العبـر  يركز على تاريخ الـدول و الامم، وطبائع الشعوب.نجد مثـلا في كـتابه هذا وصفا لمختلف الامم, والاديان, والمشارب والمذاهب كما يبينذلك هو بنفسه:

أنشأت في التاريخ كتاباً رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجاباً وفصلته في الأخبار والاعتبار باباً باباً وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً وبنيته على أخبار الأمم الذين عمروا المغرب في هذه الأعصار وملؤوا أكناف النواحي منه . . . وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ويعرفك كيف دخل اهل الدول من أبوابها . . . ورتبتة على مقدمة وثلاثة كتب : المقدمة،في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرخين الكتاب الأول:  في العمران  . (موسوعة العلامة ابن خلدون، 1: 6- 7)

 ونلاحظ الربط الشامل والموسوعي بين مظاهرالحضارة في كتاب العبـر" فنهاية المقدمة هي تغطية موسوعية عامة للعلوموالفنون" المعروفة آنذاك.بـل ان موسوعية هذا الكتاب (العبر) و (المقدمة)منه بالذات تـتـضـح اكثر اذا ما لاحظنـا في تغطية ابن خلدون فيهمـا لواقع العالمآنذاك وللسمات الاساسية للمجتمعات البارزة في عصره بالذات. نجده يتحدث عن الشعرعند العرب، وعن الدرجات الروحية عند اليهود والمسيحييـن وعن صفات البربر والترك والتتر. فهذا  مثلا وصف لاهم مايميز العربوهو ملكة الشعر والترنم فيقول: " وأما العرب فكان لهم أولاً فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدة حروفها المتحركة والساكنة ويفضلون الكلام في تلك الأجزاء تفصيلاً يكون كل جزء منها مستقلاً بالإداة لا ينعطف على الآخر يسمونه البيت فيلائم الطبع بالتجزئة أولاً ثم بتناسب الأجزاء في المقاطع والمبادىء ثم بتأدية المعنى المقصود وتطبيق الكلام عليها فلهجوا به فامتاز من بين كلامهم بحظ من الشرف ليس لغيره لأجل اختصاصه بهذا التناسب .. .  وهذا التناسب الذي من أجل الأجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة من بحر من تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى"(موسوعة العلامة ابن خلدون، 1: 409). يـلاحظ القارىء طريقة ابن خلدون فيتفكيك الاجزاء المكّـوية للكل، اي للايقاع العام، لينتهي الى جمال تناسب الاصواتفي الموسيقى. وفي هذا ربط غير مباشر بين الشعر والصوت او بالاحرى بين الشعروالموسيقى, ولا يخفى على اي باحث اهمية ذلك عند دراسة الشعر او بالاحرى دراسةموسيقى الشعر. وهذا وصف لاهم سمة تميز امة اخرى وهي امة اليهود،  واما السمة التي تميزهم فـهي انشغالهم باقامةامور دينهم, وتعظيم المكانة الروحية للكوهن بينهم:

بقي بنو إسرائيل من بعد موسى ويوشع صلوات الله عليهما نحو أربعمائة سنة لا يعتنون بشيء من أمر الملك إنما همهم إقامة دينهم فقط. وكان القائم به بينهم يسمى الكوهن كأنه خليفة موسى صلوات الله عليه يقيم لهم أمر الصلاة والقربان ويشترطون فيه أن يكون من ذرية هارون صلوات الله عليه لأن موسى لم يعقب. ثم اختاروا لإقامة السياسة التي هي للبشر بالطبع سبعين شيخاً كانوا يتولون أحكامهم العامة. والكوهن أعظم منهم رتبة في الدين وأبعد عن شغب الأحكام(موسوعة العلامة ابن خلدون، 14: 409 ) . 

وهذا وصفلطوائف من المسيحييــن، الملكية واليعقوبية والنسطورية،  يركز فيه ابن خلدون على اهم درجات الروحية،كالاسقفية والبطريكية، في التركيب الديني للمسيحيــيـن:

وكان الأساقفة يدعون البطرك بالأب أيضاً تعظيماً له. فاشتبه الاسم في أعصار متطاولة يقال آخرها بطركية هرقل بالإسكندرية فأرادوا أن يميزوا البطرك عن الأسقف في التعظيم فدعوه البابا ومعناه أبو الأباء. وظهر هذا الأسم أول ظهوره بمصر على ما زعم جرجيس بن العميد في تاريخه، ثم نقلوه إلى صاحب الكرسي الأعظم عندهم وهو كرسي رومة لأنه كرسي بطرس الرسول كما قدمناه فلم يزل سمة عليه إلى الأن  (موسوعة العلامة ابن خلدون، 14:1216  ) .

ثم يـركزابن خلدون على "تعدد" هذه الطوائف وقادتها الروحييـن، ويمزج كل ذلك معانواع الخلافات التي تحدث بين هذه الطوائف و المراكز او الاماكن التي تتواجد فيها،من ذلك قوله:

 ثم اختلفت النصارى في دينهم بعد ذلك وفيما يعتقدونه في المسيح وصاروا طوائف وفرقاً واستظهروا بملوك النصرانية كل على صاحبه فاختلف الحال في العصور في ظهور فرقة دون فرقة إلى أن استقرت لهم ثلاث طوائف هي فرقهم ولا يلتفون إلى غيرها وهم الملكية واليعقوبية والنسطورية، ثم اختصت كل فرقة منهم ببطرك فبطرك رومة اليوم المسمى بالبابا على رأي الملكية ورومة للإفرنجة وملكهم قائم بتلك الناحية، وبطرك المعاهدين بمصر على رأي اليعقوبية وهو ساكن بين ظهرانيهم والحبشة يدينون بدينهم ولبطرك مصر فيهم أساقفة ينوبون عنه في إقامة دينهم هنالك. واختص اسم البابا ببطرك رومة لهذا العهد، ولا تسمي اليعاقبة بطركهم بهذا الاسم  (موسوعة العلامة ابن خلدون، 14:1216  ).

وهناكميزة علمية هامة لتحليل وموسوعيه ابن خلدون وهي انه في تحليله للقضايا العامةوالسياسية والدينية يعتمد التوجه الى الواقع وتحليله لابراز العوامل التاريخيةالمرتبطة بالتغيير او التطور. يقول ايف لاكوست في كتابه العلامة ابن خلدونعن توجه ابن خلدون الى الحقائق الواقعية:

كانابن خلدون يعرف ان العوامل التاريخية لاتوجد جميعا في ساحات القتال, او داخلالقصور، وبما ان له تكوين فيلسوف وعالم، اخذ يبحث عنها منهجيا في مختلف اصعدةالحياة الاقتصادية و الاجتماعية. وكان الفلاسفة ، واللاهوتيين، وعلماء الاخـلاق قدقاموا بملاحظات تجريدية ومعيارية ،فهي تصف المجتمع على نحو ماينبغي ان يـكون،وتقلل من الاهتمام بما هو عليه في الواقع. اما ابن خلدون، فبوصفه رجل عمل حظيبتكوين عالم، فقد عالـج الوقائع الملوســـــــــة. (237)

وعادةماتكون نظرة ابن خلدون نظرة شاملة حين يتحدث عن مواضيع تاريخية عالميةكتلخيصـه  لظهور الاسلام ثم امتدادهعالميـا:"ثم ظهر خاتم الانبياء محمد صلوات الله عليه، وجمع العرب على كلمةالاسلام فاجتمعوا له، (لو انفقت مافي الارض جميعا ماألفت بين قلوبهم ولكن اللهالّـف بينهم) (الايـة 63 ،الانفال) وقبضه الله اليه، وقد امربالجهاد، ووعد عن اللهبان الارض لامته، فزحفوا الى كسرى، وقيصر بعد سنتين من وفاته، فانتزعوا الملك منايديهمـا، وتجاوزوا الفرس الى الترك، والروم الى البربر والمغرب، واصبح العالم كلهمنتظما في دعوة الاسلام" (موسوعة العلامة ابن خلدون، 14: 1188)  او حين يمس موضوع الانساب فنجده يلـقي عليهرؤية موسوعية شاملة حين يربط الانساب بالامم فيقول: "واتفق النسابون على انالنسل كله منحصر في بني نوح، وفي ثلاثة من ولده، هم سام، وحام, ويافث، فمن سامالعرب، والعبرانيون، والسبائـيون، ومن حام: القبط، والكنعانيون، والبربر،والسودان، ومن يافث: الترك، والروم، والخزر والفرس، والديلم، والجيل" (موسوعةالعلامة ابن خلدون، 14: 1186)   او حينيشير الى التقلبات السياسية في العالم انذاك، نجده يشير الى القوى الكبرى التي تهيمنعلى العالم بشكل عام: " هؤلاء الططر (التتر) من شعوب الترك، وقد اتفق النسابةوالمؤرخون على ان اكثر امم العالم فرقتان، وهما العرب والترك، وليس في العالم امةاوفر منهما عددا,هؤلاء في جنوب الارض، وهؤلاء في شمالها، وما زالوا يتناوبون الملكفي العالم، فتارة يملك العرب ويرحلون الاعاجم الى آخر الشمال، واخرى يرحلهمالاعاجم والترك الى طرف الجنوب، سنة الله في عباده" (موسوعة العلامة ابنخلدون، 14: 1182 ).

 و موسوعية ابن خلدون ليست موسوعية غير منظمة اوعفوية بل هي موسوعية تصنيفية بمعنى انها تعطي لكل فن او مجال حقه من التحليل اوالتلخيص او المقارنةاو النظرة الشاملة المركزة كما راينا في حديثه عن الانساب,ولعل مانشعر به اليوم من ضرورة لتحقيق التراث وترتيبه قد احس به ابن خلدون قبلنا،وهو في سن مبكر قبل العشرين،  فقام بتلخيصوترتبيب بل وتطوير بعض المؤلفات الهامة. لنسمع ابن خلدون نفسه يقص عـليـنا كيفشعربأهمية كتاب المحصـل لاستاذه محمد بن ابراهيم الابلي   فقام بواجبه نحوه. يقول ابنخلدون:"فاختصرته وهذبته، وحذو ترتيبه رتبته، واضفت اليه ما امكن من كلامالامام الكبير نصر الدين الطوسي وقليلا من بنيات فكري، وسميته لباب المحصل،فجاء بحمد الله رائق اللفظ والمعنى، مشيد القواعد والمبنى . . . " (مقتطف فيعنان، 164) وحين شعر، وهو في بواكير عمره، ان موضوع التصوف من المواضيع الهامة فيالوجدان الاسلامي لم يكتف بما كتبه عنه في المقدمة بل خصص له كتابا عنوانه شفاءالسائل لتهذيب المسائل ويقدم لنا السبب في تاليف هذا الكتاب: "اما بعدفقد وقفني بعض الاخوان ابقاهم الله على تقييد وصل من عدوة الاندلس، وطن الرباطوالجهاد, ومأوى الصالحين والزهاد, والفقهاء والعباد، يخاطب بعض الاعلام من اهلمدينة فاس . . . ،اهل التحقق والتوحيد الذوقي وفي المعرفة الوجدانية، هل يصح سلوكهوالوصول به الى المعرفة الصوفية، ورفع الحجاب عن العالم الروحاني . . . " ثميعقب بعد ذلك فيحدثنا عن هدفه من تاليف هذا الكتاب "والكلام في هذه المسألةيستدعي تحقيق طريق الصوفية، وتمييـزها بين سـائر الطرق" (عنان، 170). 

وحينيكتب ابن خلدون سيرة حياته الذاتية المليئة بالاحداث السياسية والاجتماعية الكبرىمثل لقائه "عاهل التتار تيمورلنك تحت اسوار دمشق، ومادار بينهما منالاحاديث" او "تقلبه في قصور تونس وبجايةوتلمسان،وفاس ومانتهى اليه منمن النفوذ في هذه القصور والدول وهو فتى في عنفوانه لم يجاوز الثلاثين، وما أ صابهمرارا من الاعتقال والتشريد" (عنان، 159-160) " – نجد ان اسلوبه وطريقته لاتقف على مجرد سرد الاحداث ولكنهيربط هذه الاحداث الشخصية بأحداث عصره وتقلبات النفس البشرية "يتخلل ذلك كلهشروح وتعليلات فلسفية واجتماعية لبعض الظواهر والحوادث السياسية" (عنان،160). ولعل في حديثه عن امم التتر والعرب او الاديان امثلة لذلك.

ولموسوعيةابن خلدون هذه اسبابها الذاتية والموضوعية، واقصد بالذاتيه مايتعلق بنشأته ودرجةمعلميه ومكانتهم، ورحلاته في سبيل الاصلاح والعلم والحكم، واقصد بالموضوعية الظروف التياجتذبته او سعى اليها. اما الاولى، اي الظروف الذاتيه فيمكن الاشارة اليها من خلالمتابعة نشاة ابن خلدون والحياة العلمية والـسياسية التي احاطت به منذ سن مبكرة.يحدثنا هو عن نشأته فيقول: "وبعد ان استظهرت  القران الكريم من حفظي،قرأته عليه (ابي عبد الله محمد بن سعد الانصاري) بالقراآت السبع المشهورة افراداوجمعا" (موسـوعة العـلامة ابن خـلدون، 14: 809 ) ، والافراد المشار اليه هنايعني ان يتلى القران كله او جزء منه برواية واحدة لاحد القراء السبعة او العشرةالمشهورين، والجمع ان يجمع القارىء عند قراءة القران كله او جزء منه بين روايتينفـاكثر من الروايات السبع او العشر المشهورة. وفي موضع آخر عن نشأته يقول:"فحفظت كتاب الاشعار الستـة، والحماسة للآعلم (يوسف بن سليمان النحويالشنتمري المعروف بالاعلم) ، وشعر حبيب (حبيب بن اوس الطائي – ابو تمام) وطائفة منشعر المتنبي، ومن اشعار كتاب الاغاني" (موسوعة العلامة ابن خلدون، 14: 811 )  وفي تونس لزم ابن خلدون مجلس السلطان العالمابو الحسن، ويقول عن هذا السلطان ومجلسه العلمي: "وأخذت عنه الاصلين،والمـنـطق، وسائر الفنون الحكمية، والتعليمية, وكان رحمه الله يشهد لي بالتبريز فيذلك" (موسوعة العلامة ابن خلدون، 14: 815) ولعل ايراد مثالا من حالةمن حالات  حياته اليومية والعامة يساعدناعلى شرح هذه الظروف الذاتيه التي ساعدت ابن خلدون على تكوين هذه عقلية موسوعيةمتمـيـّزة، كتب ابن خلدون واصفا حوارا اطاره ظروف سياسية معينه، دارهذا الحواربينه وبين السلطان تمـر (تمورلنك):

ثمحومت على الكلام بما عندي في شان نفسي، وشأن اصخاب لي هنالك، فقلت ايـّدك الله! ليكلام اذكره بين يديك، فقال : قل. قلت: انا غريب بهذه البلاد غربتين، واحدة منالمغرب الذي هو وطني منشاي واخرى من مصر واهل جيلي بها، وقد حصلت في ظلك ،و اناارجو رأيك  لي فيما يونسني فيغربتي، فقال:قل الذي تريد افعله لك، فقلت: حالالغربة انستني ماأريد، وعساك – أيّـدك الله _ انتعرف لي ماأريد. فقال انتقل من المدينة الى الاردو (المعسكر) عندي، وانا ان شاءالله اوفي كنه قصدك. فقلت يأمر لي بذلك نائبك شاه ملك، فأشار اليه بأمضاء ذلك،فشكرت ودعوت وقلت: بقيت لي اخرى. فقال: وما هي؟ فقلت هؤلاء المخلفون عن سلطان مصرمن القراء والموقعين والدواوين (يقصد اصحاب ا لدواوين)، والعمال,صاروا الى ايالتكوالملك لايغفل مثل هؤلاء فسلطانكم كبير, وعمالتكم متسمعة, وحاجة ملككم الىالمتصرفين في صنوف الخدم اشد من حاجة غيركم، فقال وما تريد لهم؟ قلت: مكتوب امانيستنيمون اليه، ويعولون في احوالهم عليه. فقال لكاتبه: اكتب لهم بذلك، فشكرتودعوت. وخرجت مع الكاتب حتى كتب لي مكتوب الامان، وختمه شاه ملك بخاتم الشلطان،وانصرفت الى منزلي  (موسوعة العلامة ابنخلدون، 14: 1216 ) .

مثل هذهالمقابلات والمواقف مع الحكام وبعضهم ممن يتوسم فيهم الخير والصلاح او ممن يسعىالى تجنب المصادمة معهم، الى جانب الرحلات من مدينة الى اخرى ومن قطرالى آخر كانتلها عظيم الاثرفي توسيع آفاق ابن خلدون و اتساع رؤيته الفكرية الشاملة. واذاماتتبعنا اعماله نجد اثرتلك الرحلات واضحا كما ورد في بعض الامثلة آنفا عن الاحداثالكبرى في حياته وعصره والتي شهدها او وصفها, ولابأس ان نشيرهنا الى تنوع رحلاتهطوال حياته وان نتتبـع طريقته في الاشارة الى هذه الرحلات المتنّـوعـة وهو عادةمايـستخدم الفعل الماضي في مواضع مختلفة من كتاب العبـرمما يدل على انالرحلات هي ديدنه وجزء من طبيعة حياته الشخصية والعامة ، نقرا مثلا هذه العباراتونلاحظ استخدامه للفعل الماضي  الرتبطبالتنقل والسفر: "وخرجت مسافرا من تلمسان حتى انتهيت الىالبطحاء, فعدلت ذات اليمين الى منداس، ولحقت بأحياء اولاد عريف قبلةجبل كزول (جنوب مدينة تيارات) ، فتلقوني بالتحية والكرامة، واقمتبينهم اياما حتى بعثوا عن اهلي وولدي من تلمسان"  (موسوعة العلامة ابن خلدون، 14: 1039)،او قوله"ولما دخلتها (القاهرة) اقمت اياما, وانثال عليطلبة العلم بها، يلتمسون الافادة مع قلة البضاعة، ولم يوسعوني عذرا، فجلستللتدريس بالجامع الازهر منها"  (موسوعةالعلامة ابن خلدون، 14: 1060)، او قوله: "فودعت السلطان والامراء،وزودوا واعانوا فوق الكفاية" (موسوعة العلامة ابن خلدون، 14: 1075)  وهذه عبارة ثالثة يقول فيها: "وركبتبحر السويس من الطور الى اليـنبع، ورافقت المحمل الى مكة، فقضيتالحج عمئذ، وعدت الى مصر في البحر ... وشغرت وظيفة التدريس في مدرسةصلغتمش، فولاني السلطان اياها بدلا من مدرسته  . . . ومضيت على حالي من ... التدريس، والتاليف، حتى ولاني خانقاهبيبرس، ثم عزلني عنها بعد سنة"  (موسوعةالعلامة ابن خلدون، 14: 1136 )  فيالعباره الاولى يلاحظ القارىء اختلاطه بأهل المناطق التي يفد اليها وحسن استقبالهلهم, وفي قوله الثاني يلاحظ القارىء رغبة طلاب العلم في الاخذ عنه، وفيالعبارتين  الثالثه والرابعة يلاحظ القارىءقوة ارتباطه بمراكز القوى وبالحكام الذين يثق في حسن قيادتهم.6 

واماالظروف الموضوعية فهي متتشابكـة مع ظروفه الذاتيه: نشأة بين القصور و داخل دورالسلاطين والامراء والعلماء، ومشاركة في النشاط السياسي والعلمي اينما حل واقام،وتنقـّـل دائم، كل ذلك ساعده على تكيو رؤية موسوعية ترفدها خبرة مباشرة تربط بينالمعرفة والاحداث العامة الجارية او التي جرت فيواقع الحياة السياسية والفكريةوالعامة. ولعل مقابلاته ومداولاته مع الحكام العلماء والتي اوردنا منها  مثالا اعلاه تلقي الضوء على هذا التشابك بينالذاتي والموضوعي في تطور شخصيته وادراكه الموسوعي العام. يشرح عمر فروخ، في كتابهتاريخ الفكرالعربي الى ايام ابن خلدون، الربط بين العامل الذاتي والموضوعيفي شخصية ابن خلدون وفي نظرته الموسوعية: "امتـاز ابن خلدون بسعة اطلاعه علىماكتب الاقدمون وعلى احوال البشر، وكان قادرا على استعراض الاراء ونقدها، دقيقالملاحظة في اثناء ذلك كله، مع حرية في التفكيروانصاف لاصحاب الاراء المخالفةلرأيه" (580) ويؤكد فروخ على سعة الاطلاع هذه وانها نتجت عن الخبرة العمليةمن خلال الارتباط بـالواقع والذي كانت الاسفار سببا في تنوّع هذا الارتباط:"ولقد كان لاختباره (ابن خلدون) الواسع في الحياة السياسية والادارية وفيالقضاء، الىجانب اسفاره الكثيرة المترامية بين الاندلس وشمالي افريقية وغربيها الىمصر والحـجاز والشام، اثر بالغ في تكـوين خصائـصه" (580).   

والخلاصةان موسوعية ابن خلدون، هي نتاج عدة عوامل: اولا، تشبعه بالفكرالاسلامي فقها وفلسفةوروحا، فقد ورث ابن خلدون ميراث القرن الثالث والرابع الهجريين وامثلته اعمالالفلاسفة والعلماء والمترجمين في بيت الحكمة والتي اسسها المأمون (170 – 218 هـ ،786- 833 مـ ) فاصبحت علامة من علامات النشاط العلمي الموسوعي في ذلك العصر، كماتشبع بالاعمال الموسوعية الاسلامية كأعمال ابن الاثير 1160 – 1234 مـ ) ومحمد بنجريرالطبري ( ت 310 هـ) (923 مـ )- وغيرهم من علام تلك الفترة، وابن خلدون"حفيد عصر الموسوعات العربية، في عصره، القرن الرابع عشر، وقبل –ذلك-  بقليل ظهرت الموسوعات الكبرى"7  ثـانيـا: حياة القصور والمجالس العلميةوالسياسية التي اجتذبته بثرائها الفكري وغير الفكري، ثالثا، تنوّع الثقافاتوالاديان في العصر الذي عاش فيه، القرن الثـالث عشر الهجري او القرن الثامن للميلاد،والبلاد التي اتصّـل بحكامها او استقر فيهـا،مـما جعل نظرته تتجاوز حدود قومه،وتراثه، وتمتد لتعطي اعتبارا لمفاهيم وقيم الاخريم ممن يختلفون عنه فكرا ومذهبا.رابعـا، استعداده الذاتي والنفسي لتحقيق طموح العالم الحاكم المستنير.

 

الجدير بالذكر  أن هذا النشر للمقالات العلمية والابحاث والملخصات العلمية يأتي في إطار عملية الإشهار الإعلامي لأبحاث ودراساتومقالات أساتذة جامعة عدن وطلابها، التي تتولى الإدارة العامة للإعلام بجامعة عدن تنفيذها،واستلام الملخصات المطولة للأبحاث على البريد الالكتروني التالي: [email protected]  - على أن يتمإرسال المقالات العلمية أو ملخص موسع يتضمن نتائج وتوصيات الدراسات والأبحاث بطريقمستند نص وورد 2003 مع صورة شخصية للباحث والصور ذات العلاقة بالبحث.

•استاذ الآدب المشارك – كلية الاداب – جامعة عدن